حصاد السنين

الجمعة,نيسان 18, 2008


للشجاعةوالاقدام ومواقف البطولة حيز كبير في عالم أطفال القرية.يجتمعون في أماكن معينة، يغيرونها في كل مرة،غير بعيد عن منازلهم،ولكن بعيدا عن أعين الرقباء.يتبادلون أطراف الحديث في الممكن والمستحيل،تحلق بهم مخيلاتهم الجامحة في عوالم المغامرة والأحلام، يضيفون الى الواقع ما لا يطيق.كانت اذهانهم ووجداناتهم  البسيطة الساذجة تتمثل هيئات وسلوك الكبار من رجال القرية،ولكل في ذهنه نموذج يحتذيه،ولكل في روايته او حكيه طابعه الخاص وسمته البارزة.كان احمد اكبرهم سنا،لقبوه ب"الغول" لحضوره القوي بينهم،وكان يتباهى بملامح الرجولة والنضج التي أخذت تبدو عليه، انه زغب خفيف على ذقنه تحول في ذهنه الى لحية مكتملة.لم يكن يستهويه شيئ اكثر من كلامه عن بطولاته ومغامراته،المتمحورة حول مقاومة ومصارعة مخاوف الظلام في الليالي الحالكة، فكانت مروياته لخوارقه تتخذ دوما من الليل فضاء لها.ولليل رهبة لا تحد ولا تضاهى في القرية،لا سيما في الليالي الحالكة حين لا يطلع القمر الا قبيل الفجر.

ذكر "الغول" انه رأى ذات ليلة شبحا عملاقا يقترب منه ،كلما ابتعد هو عنه،يحاول ان يطبق عليه بقامته التي لا حد لطولها،وصف كيف استجمع قواه،وقاوم خوفه ولم ينهزم.تسمر في مكانه وحملق في ظلمة الليل،ناظرا الى غريمه العملاق في صمود وتحد،وبعد لحظات أخذ الشبح يصغر ويصغر ويصغر الى ان صار في قامة انسان.فازداد هو بأسا وقوة وزهوا ،فاذا بصاحبه يتلاشى ويختفي. انه "الغول" الحقيقي وليس الشبح

هكذا هو دوما،بطل في مغامرات الليل والنهار،يثير فضول رفاقه،وهم بين معجب وساخر، يشكك بعضهم في كل ما يقول والبعض يتحدى ويراهن،وهو هو في الاعتداد بنفسه المشوب بغرور وكبرياء بارزين.قال له احد الرفاق:مارأيك في ثلاثة آلاف فرنك كاملة ان زرت المقبرة ليلا؟فأجاب دون تفكير:موافق..موافق  شريطة ان أرى المبلغ بعيني. جاءه صوت من الجمع: ولكن كيف تبرهن على صحة زيارتك؟.وبعد برهة صمت ،قال أحدهم:سنعطيك وتدا تدقه في مكان ما وسط القبور،وحين تعود تحدد لنا موقعه لنتأكد من وجوده في الصباح.كان رده بالقبول.. في ليلة الغد كان اللقاء،وتوجه الكل الى مكان قريب من المقبرة،وتسلم"الغول" عدته وانطلق تلفه اجنحة الظلام،وبدأ صمت الترقب وهمسه.كان يندفع في لجة الظلام،حاملا الوتد وحجرا صلدا في يده،وقلبه الخفاق المتوجس بين ضلوعه،موقنا ان الثلاثة آلاف فرنك ستحل في جيبه لا محالة..وفي سكون الليل تناهت الى اسماع الجماعة دقات الوتد..توالت الطرقات..واحدة..اثنتان.ثلاثة..اعقبها صمت ثقيل.. اعقبه صراخ وعويل:أنقذوني..أنقذوني.أماه أماه لقد امسك بي الموتى..انقذوني.هرول الجمع على ضوء مصباح يدوي خافت في اتجاه  المقبرة،مستهدين بوجهة صراخه..وجدوه مشدودا الى الأرض،لا يقوى على حراك،وهو يرتعش ويتصبب عرقا..فحصوا وضعه،فاذا به قد دق الوتد على طرف ثوبه،وحين اراد العودة لم يقو على النهوض،فانفجر صمام خوفه،واستحضر كل مخزونه من الأوهام والأرواح والاشباح،واستسلم للصراخ والبكاء والاستنجاد...كان يرتجف من شدة الخوف،لا ينبس ببنت شفة ،ورفاقه يتضاحكون في تكتم ويتبادلون الهمسات وكأنهم يشفقون على " الغول" الذي تضاءل واضمحل كما تلاشت قامة شبحه العملاق



في18,نيسان,2008  -  06:27 مساءً, محمد ملوك كتبها ...

قصة ممتعة
فيها من العبر الشيئ الكثير

تحيتي ومودتي