حصاد السنين

الخميس,شباط 28, 2008


كان نزول الأمطار الأولى ايذانا ببداية انصراف فصل الصيف ، وحلول فصل الخريف، وان كانت ايام هذا الأخير لا تختلف عن ايام سابقه الا بما يخالط حره من رياح احيانا، ومن أمطار عاصفة احيانا اخرى.ولعل اهم ما يثير ذاكرته حين استرجاع ذلك الزمن ،هو اقتران هذه العلامات بقرب ابتداء موسم دراسي جديد.وقرع جرس العودة الى ساحة المدرسة القديمة،ولن ينسى لون ذلك الجرس النحاسي الذي تحولت صفرته الى خضرة بفعل الصدأ،وقد كان لقرعه الوحيد اثران متباينان في نفسه:انقباض وخوف وتوجس مع  قرع الدخول وانبساط وغبطة  وانطلاق في الايذان بالخروج..وقد لازمه ذلك الاحساس مدة طويلة ولم يكن يعلم مصدره ولا اسبابه، الا ما كان من فرق بين التقييد والحرية. في مقدمات الخريف ،تستهويه استراحة الزوال  مع حارس الحظيرة،ابن عمه الأكبر،يقاسمه ابريق الشاي الصغير وبعض الطعام ويسرح ببصره الى اعالي الاشجار المتناثرة حول المكان،حيث أعشاش اللقالق على قممها ،ثابتة في صلابة وشموخ،لا تاخذ منها الرياح ولا الأنواء شيئا. قال له ابن عمه مشيرا الى بعض القمم:لقد رحل ساكنوا العشين هناك بالأمس،ولا أدري من سيرحل اليوم..ان الأسرة ترحل بكاملها وقت الظهيرة..لا أدري اين يتوجهون؟ لقد تأكدت عبر سنوات ان كل اللقالق هنا ترحل في نفس الوقت ولا يمضي اسبوعان حتى تكون قد رحلت كلها..وهو يستمع الى هذا الشرح، ترددت في ذهنه بعض الاشارات مما علق في ذهنه من درس الجغرافيا..اذن لاشك ان هذه الطيور سترحل الى وجهة تناسب عيشها..انها لا تقوى على تحمل برودة الشتاء وعواصفه وانواءه..سبحان الله الذي خلق كل شيئ واحكم خلقه..من يرشد هذه الطيور في ترحالها؟من ينبئها بوقت الرحيل؟ ومن يحدد لها أوان العودة؟ ..ايه ..هو الخالق..يضع سره في أضعف خلقه..كانت اللقالق  في اعشاشها في حركة مستمرة، تحرك اجنحتها ،تتنابش بين بعضها البعض،يطير بعضها  ملتفا حول المكان ثم يعود..لاشك انها مراسيم الوداع،على طريقتها الخاصة. سرح ببصره متتبعا تلك الحركة ،وشرد بذهنه ،وفي لحظات استعادة تذكر بعض كبار قريته..لقد هاجروا  الى امكنة بعيدة ..أليسوا مثل هذه الطيور؟ لاشك ان مناخ البلد لم يناسب عيشهم،وراودهم حلم العثور على اعشاش جديدة ،وموارد رزق افضل..ان الفرق بين الصنفين لايحتاج الى كبير جهد لادراكه:ان الطيور تهاجر لتعود في اجل مسمى واهل قريته يرحلون في والى الزمن المجهول. 



في04,آذار,2008  -  10:12 صباحاً, عبد المالك المومني كتبها ...

كلنا ذاك اللقلاق أوذاك السنونو الذي مهما أبعد..فهو دائما حان لأول منزل...انظر أحد تعليقاتي على إحدى إدراجات الحصاد سابقا الموسوم ب المنفي