حصاد السنين

الأحد,شباط 24, 2008


لاشيئ كان يحيي في ذاكرتها مدرجات الجبل اكثر  من صعودها وهبوطها سلاليم العمارة.تتذكر كيف كانت تصعد وتهبط بين تلك المدرجات،وعلى ظهرها ابنتها الصغيرة،وفي يدها أداة عمل،قد تكون منجلا او فأسا أو مذراة..وذلك حسب طبيعة العمل وأوانه.كثيرا ما كانت تزل بها القدم فتتدحرج غير بعيد،حريصة كل الحرص على الا تصاب الصغيرة بأذى،ومع ذلك فقد كانت تصاب،فتبكي وتصرخ ويردد الوادي ذلك الصراخ،وتمتد يد الأم اليها بكسرة خبز كانت مخبأة في طيات ملابسها،فتصمت الصبية ويستمر العناء في شغل المدرجات،ويتوالى الصعود والهبوط في دورة سيزيفية لا تنتهي.ان صعود السلاليم هنا هو محض لعب وتسلية،لا يسبقه ولا يتبعه عناء الحصاد، ولا جهد شق الأرض، ولا انكسار الظهر ابان الحصاد.تصعد هنا لتطل على جاراتها ،ولتعلم ماذا يطبخن واين سيذهبن وفي ما يتحدثن..وقد تصادف جلسة شاي او قهوة، فتمنح الكؤوس نشوة القيل والقال للرؤوس،فتتبادل نشرات الأخبار بما فيها من صحيح  وزائف،ويحكى ما كان وما سيكون....هكذا تمضي الساعات والأيام والشهور،وهي تتلاحق بسرعة عند "بنت احمد"- كما كان يسميها زوجها-.  قال لها يوما ،وهو يريد جس نبضها في موضوع العودة الى الوطن: بعد عام من الآن سنعود الى "لبلاد" آبنت احمد..منزلنا هناك سيكتمل والأجرة التي اتقاضاها ستصل الينا هناك..وسنعيش ملوكا في وطننا،ليس للمرء وطن اعز من وطنه...استقبلت كلامه ببرود ينم عن لامبالاة تامة ،واجابته: اذهب انت و"تمولك" في البلاد لوحدك ،اما انا فهذه هي بلادي،سأعيش هنا مع اولادي وبناتي،ومن رغب في "لبلاد" فالله يديمها عليه..لقد كان يعرف اجابتها قبل السؤال ،ويومذاك كان يريد ان يستفزها قليلا،ويهيئها لتقضي معه عطلة طويلة نسبيا عوض شهر واحد...لقد جئنا لنعود،وفي جعبتنا كمشة احلام وزاد وفير من العشق والحنين.فتبعثرت الأحلام في قتامة الأسوار،وقر الشتاء الطويل ،وضوضاء المدينة.وانقضى الزاد في سفرنا اللامنتهي،وفي دوامة الزمن التي لاتنتهي الا لتبدأ من جديد.أينك يا صوت الصمت،اينك يا حديث الأشجار للصخور،اينك يا قبر أمي في جنب الوادي بين القمتين.هل سنعود يوما؟ وان عدنا هل ستعود أيامنا الخوالي؟ كانت اياما ساذجة فقيرة ولكنها كانت تعطي لحياتنا معنى مختلفا،كانت تشدنا الى بعضنا البعض،كانت تنظم القلوب في عقد فريد..اما الآن ..ها شريكتي بنت احمد تمزق كل المواثيق والعهود،تتمرد ،معلنة الغاء العودة الكلية..فان كانت هي كذلك فما بالي بالأبناء..؟كان ذلك سؤاله الكبير كلما وجد وقتا للتأمل والتفكير.لم يكن يعلم ان وراء سؤاله الكبير اسئلة غزيرة متناسلة على الدوام.لو انه قد حل بمدرسة يوما للدراسة لكان قد صادف ما كان يعلم عن خطة طارق بن زياد وخطبته الشهيرة وربما اسعفه عقله فيتأكد ان لا عودة بعد احراق السفن



في25,شباط,2008  -  12:21 مساءً, لقلاق الركاده كتبها ...

لا عودة بعد إحراق السفن...ما أبلغها صورة لما يعيشه المغترب من تمزق...إنك ياعبد الكريم تبطيء عنا بهذا السرد الممتع