تأملات في “ريحة لبلاد..خضرا”
كتبهاعبد الكريم ، في 23 سبتمبر 2011 الساعة: 21:35 م
تذكير
الزجل في المعجم العربي هو الصوت.يقال سحاب زجل اذا كان فيه رعد.ويقال لصوت الحديد والجماد زجل.زجل أي طرب(بادغام الراء) وتغنى ،رفع صوته.وزجل الأحجار صوتها.قال
الشاعر:
مررت على وادي شياب فراعني به زجل الأحجار تحت المعاول
وفي "تاج العروس" الزجل هو التطريب. والشواهد كثيرة.
سمي هذا الفن زجلا اذن لاقترانه بالغناء والتطريب،ولاستهدافه للفئات العريضة من عامة
الناس،وكأني به قد وضع فقط ليسمع لا ليقرأ، ومن ثم فان تمام الانتشاء بروعة النظم وجماله
لايتم الا عبر الالقاء المتميز صوتا وتقطيعات وتمثلات..وصار في عصرنا –مع تقدم وسائل
النشر- أن يجمع في دواوين ليحفظ ويدرس على الوجه الأكمل.
وتسميات الزجل عند مشاهيره من المغاربة كثيرة ومتنوعة أورد الأخ عبد المالك بعضا منها
في مقدمة ديوانه وأسوق بعضها على سبيل المثال لا الحصر: "القول"."لكلام"."لوزان"."اللغا".
"الانشاد"."لقصيدة"…
مدخل الى "ريحة لبلاد"
"ليس بين الحكاية والأنشودة – في نظر الراوي المنشد بون كبير" ص5
في ما قبل الانشاد يرفع عبد المالك عن قارئه مشقة الكشف،فيبوح بسر الانشاد ويقدم للقارئ
مفاتيح الولوج الى "ريحة لبلاد" - ولمن شاء أيضا –الولوج الى "الجناح الهيمان".
"انها لمحات من رؤى مهومة سنحت للخاطرحكاية مغناةأو أهزوجة محكية.." ص6
ان تقديم هذه المفاتيح المعروضة في هذا المدخل تنير للقارئ طريق التفاعل مع نصوص
المؤلف،وتحرمه في نفس الآن من متعة الكشف الذي لا يمكن اقامة فرضياته الا من خلال
النصوص نفسها.ولن ألتمس للكاتب عذرا،ولكني أفترض أنه تعمد ذلك لاحساسه بكون قارئه
سيكون في حاجة الى بوصلة صغيرة تحدد له الوجهة وتبدد غيوم الشك حول ارتباط العشيق
بمعشوقه،وسأشير لاحقا-عبر أحد النصوص –الى المزيد من الأدلة في هذا الباب.
الديوان قصيدة واحدة مجزأة الى عشرة مقاطع لكل منها عنوان،وكل العناوين تنتظم في عقد
واحد،منسجم، تتواصل حباته وتتكامل وتتناسل في اتجاه موضوع أساس.ولا أدل على ذلك
من امكانية رص العناوين في جملة واحدة من مثل:
مرسول خضرا خليل الصغر جا للدار وعلى عتبة الغرفة،كيف مول الحال،تفقد لوساد،وحن للدالية
المعرشة،ولسان حالو يقول أوطاني وحدة.
.تفقد الكاتب القاص المكان في رحلته في الأولى وهو راحل في الزمان، ولم يركب
صهوة المجهول كالرحالة القدامى وانما رحل لأعادة اكتشاف معلوم، مستحضرا مخزون ذاكرته
ومكنونات نفسه،باكيا متحسرا،ذاكرا متبصرا،فأروى شوقه وأشفى غليله،مازجا بين الحقيقة
والخيال،متحكما في خيوط الظهور والاختفاء،غير آبه بشروط الأجناس الأدبية ولا بمقاييس
النقد والنقاد،فكتب "الجناح الهيمان.." وهو يعلم حق العلم كل ما تفتضيه الكتابة الروائية ،وعلى
رأس القائمة شروط البناء الفني والحبكة الدرامية في العمل القصصي ككل،ولكنه تعمد أن يكتب
كما كتب.روى وحكى، وأخمد حرقة العشق ،فأروى وارتوى، واستراح من أرق السؤال.
يرحل الزجال الشاعر على جناح الكلمة مرة أخرىمرفرفا بايحاءاتها وايماءاتها في "ريحة لبلاد..
خضرا" وكأني به قد عاوده الحنين بعد قرابة عقدين من الزمن ،وهو الذي لم يبرحه الشوق
والحنين ،فاختار "القول" باللسان العامي الدارج ،وفي لاوعيه آثار معلقات الشعر العربي القديم
والنفس الملحمي في الشعر االانساني،فأطلق العنان وأنشد عشرة "مقاطع" أو "فصول" في
عقد واحد، ولم يكن يتوقف بينها الا لالتقاط أنفاسه ،او رفقا بسامعه أو قارئه حتى لا يذهل
أو يكل، ورغم ذلك فان هذه الفصول "القصائد" قد جاءت مطولة، وقد يكون ذلك هو أدنى ما
أمكن من الاختصار لدى المبدع، آثر الاستجابة لحاجات نفسه،ودفق شعوره وأحاسيسه.
لا مناص من العودة الى "الجناح الهيمان.." في سياق الكلام عن "ريحة لبلاد.." لأنهما
عملان متكاملان موضوعا، مختلفان شكلا وأسلوبا،وهما في تقديري المتواضع ينتسبان الى
شكل من الكتابة المتحررة من قيود التصنيف والتجنيس فالرواية الأولى ،استحضرت كل أدوات
الرواية وأغفلت –عن قصد- النسيج الفني والبناء الدرامي في تشابك الشخوص والأحداث داخل
فضاءات الأزمنة والأمكنة ،لأن الكاتب كان مشدودا الى الواقع أكثر من تحليقه في عوالم الخيال
أن" الرواية" لم تكن الا وعاء لاسترجاع الذكريات كما هو الحال في السيرة الذاتية الجزئية.
أما في الزجل فقد حاد المبدع –عن قصد كذلك- عن المألوف لدى الزجالين،في نظمهم لقصائد
مستقلة ذات مضامين مختلفة تجمع في ديوان، ونظم قصيدة واحدة مطولة ،وضع بينها محطات
استراحة ،وهي بالقراءة البصرية مجموعة قصائد ولكن باستكشاف مضمونها قصيدة واحدة.
من حق أي مبدع أن يكتب كما يشاء.. وقد أفرز الأدب الحديث والمعاصر أشكالا من الكتابة
المتمردة على التصنيف والتجنيس الأدبيين ،وترك الباب مشرعا للمتلقي كي يضع مقروءاته
في الخانات التي يرتضيها لها ، وقد يميل المرء الى رصد التيمة المهيمنة في نص ما، لينسب
الى جنسها نصا ما.وفي تقديري المتواضع ،واستئناسا بما ألمحت اليه أرى أن حضور مقومات
أدب الرحلة كانت بارزة في "الجناح الهيمان" ، ويمكن تلمس آثارها في "ريحة لبلاد".لكنها
الرحلة في الزمان والمكان لاعادة اكتشاف المعلوم.
"يتبع"
—————–
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























سبتمبر 24th, 2011 at 24 سبتمبر 2011 10:21 م
مرحى بأول الغيث…وأنتظر الوابل المنهمر…وشكرا أخي عبد الكريم على هذه المبادرة..