لم ينل تقدم السن من ذاكرته ولو جزءا يسيرا مما ناله من بنيته الجسدية،هزال وضعف بعد امتلاء وقوة،انحناء ظاهر بعد استقامة وشموخ..وهكذا..في كل شيئ ..الا في الذاكرة،بقيت متقدة تستحضر الأحداث من العقود الغابرة،وتعيدها وكأنما تحدث للتو..نعمة كبرى ان تيقى ذاكرة المرء قادرة علىحفظ ما مضى، كان كل أهل القرية يعلمون ذلك،واذا اشكل على أحدهم تاريخ واقعة او تفاصيلها قصده،ولا يعود الا ظافرا..في صبيحة ذلك اليوم الصيفي،تحت ظل شجرة،وهو يجلس على ذلك المقعد الخشبي المتهالك،لمس الطفل فيه قابلية للحكي،أحس ان مزاجه على حال من الاعتدال والرقة ،يمكنه ان ينال منه ما يبتغي، رأى ذلك في اطراقاته المتوالية ،وكثرة ترديده للأفعال الماضية...فانتهز فرصته،ولم يترك له وحده حرية اختيار موضوعه،وفضل ان يوجهه وهو العارف بالكيفية المناسبة..لم لا والمزاج رائق
لقد وعدتني عمي العزيز ان تروي لي قصة القبيلة بالجبل
ايه..انها حكاية قديمة،سمعتها من والدي رحمه الله..ولكن لست ادري سبب تعلقك بهذا الموضوع..لا باس..سأرويها
سكت برهة مطرقا،وكانت عيناه ترقبان في غير تركيز،حركات مجالسه..وبقدر ما كان يستجمع ادوات حكيه بقدر ما سكنت جوارح الطفل وازداد ترقبه للسماع
انت صغير السن يا بني..لا تعرف الجبل..اعني حيث كان الآباء والاجداد في بادئ الأمر..كانت عائلة جدنا الأكبر..الاخوة والأبناء والأعمام والعمات..يعيشون بجوار قبيلة لا تربطهم بها قرابة،وقد استضافونا-كما جرت العادة آنذاك- وقبلوا تعايشنا واياهم.ولعل لمشاكل حروب القبائل والأخذ بالثأر وما شابه ذلك دور رئيس في هذه الوضعية..وكان رعاة قطعاننا ينتشرون في الغابة من الصباح الى المساء،يقطعون مسافات طويلة بين المرتفعات والمنخفضات ،بين الأودية والأعالي،قطعانهم منتشرة دون خوف او قلق، ترافقها بعض الكلاب الماهرة في الحراسة على الفطرة،وكان وقت الأصيل من كل يوم موعدا لتجمع القطعان واستعدادها للعودة، والحقيقة التي لا تنسى هو ان الرعاة احيانا كانوا يهتدون الى مسالك العودة باتباع القطعان..
اعتدل الشيخ في جلسته، واخذ غراف الطين المملوء ماء،وشرب منه بقدر ما ارتوى.كانت نظراته وحركاته تنبئ عن اندماجه التام في زمن الرواية..
ذات يوم صيفي قائظ،والركب يهم بالعودة،استرعى انتباه راع ،وحل عالق بقوائم عجل..اقترب منه وأمعن النظر..تأكد مما رأى،وأيقن ان عجله قد عثر على نبع ماء وسط الغابة،وقرر ان يراقبه ويتبع خطاه في اليوم الموالي.انه يعلم يقينا ان الحيوانات لا تخطئ في العثور على أماكنها المفضلة..كانت عيون الراعي وخطاه لا تفارق العجل الصغير الى ان انتهى به الى ركن قصي عند قدم سفح صغير ..فاذا نبع صغيرينبجس ماؤه من بين الصخور وكان المكان كثيف الشجر والنبات..ولم يكن مسيل النبع يقطع الا خطوات قليلة ليجد له مدخلا بين شقوق أخرى،يغور فيها شاقا طريقه في عمق الأرض الى وجهة يعلمها الله.
نزل الخبر على الحوش الكبير كما تنزل البشائر والنعم، وكثر الحديث،وانتشت النفوس، وبدأت تنسج خيوط الأحلام..الماء..الماء هو الحياة..سنبدأ حياة جديدة..سنغرس ونزرع ونطرد شبح الجوع..الحمد لله.وبعد أيام قليلة كانت العائلة الكبيرة قد قررت اتخاذ ما حول النبع مكانا جديدا لاقامتها..سميت العين باسم العجل الشاب ثيط أومكيزي ومعناها بالامازيغية عين العجل الذل لم يتجاوز السنة ولا تزال تسمى كذلك
لكن ما قصة البيوت والبساتين وعمارة المكان ؟لم يطل الانتظار،فاسترسل شيخنا في حديثه :لم يكن الأمر سهلا، لقد استمرت سواعد الرجال شهورا طويلة تكسر الصخور،تسوي المدرجات،تغرس الأشجار،تستصلح كل شبر ممكن من هذه المرتفعات الصخرية،مستعينة بما ملكت من قوة الحديد والنار..كانت الصخور الضخمة تعالج بنيران الجذوع اليابسة الى ان تسلم وتستسلم للمعاول والأدوات البدائية...اما العين فقد مدت لها سواق على جانب السفح وسيقت الى حيث بني صهريج لتجميع المياه واستعمالها لري مزروعات القرية..هكذا تحولت ارجاء القرية ببيوتها التقليدية المشيدة بالطين والحجر الى جنان خضر زاخرة بشتى ضروب الغلال..
اذن الفضل يا عمي الكريم يرجع الى العجل الذي هداكم الى النبع
هكذا انت ،تريد دوما ان تحقر افعال اجدادك،وتستخف بها..لست ادرى ما ستفعلون انتم ابناء الجيل الجديد..انتم تعتمدون على الاجنبي فقط،ولو تخلى عنكم بآلاته وعتاده لمتم من الشر...اعلم يا ولدي ان الله اذا اراد بقوم شيئا يسر له أسباب وجوده،لقد كان اسيادنا القدماء يحسبون لكل شيئ حسابه،دابة كانت او جمادا ،ولا يستهينون بشيئ موكلين أمره الى الخالق..لكنهم كانوا يعملون ويكدون ويجتهدون.. لم يكونوا مثلكم جيلقمش ما يحشم ما يرمش وتعالت ضحكة العم الشيخ ،وهو يطمئن مجالسه بكونه يريد ممازحته فقط
كتبها عبد الكريم في 07:38 صباحاً ::
آه على ذلك الجبل الذي يحبنا و نحبّه !
...
مع تحياتي
شكرا لك الأخ كريمو أن أتيت بحكاية ميلاد ثيط أومكيزي وقريتها...ميلاد العمران..إنها حكايتك وحكايتي وحكاية الآباء والأجداد..وحكاية ميلاد حضارة الإنسان: الماء وتدبير الإنسان.لكن ما حكاية العجل في حكايتك والثور في حكاية الجناح؟
شكرا لك اخي عبد المالك.لاأحسب عجل حكايتي وثور الجناح الا من نفس القطيع،وقد ارتويا من نفس النبع،وقد يكون ماء نبع الجبل الغائر بين الشقوق الصلدة هو الذي انبجس في تلك الربوع الندية الرطبة.تحياتي
شوقنا لسردك شديد
فهل يا كريم من مزيد؟
ألفت انتباهك إلى تغيير رابط مدوّنة الصبّار
http://kaktus.maktoobblog.com
مع تحياتي و تشكراتي
